فصل: تفسير الآيات (1- 9):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (148- 157):

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)}
{سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ} إخبار بما سوف يقولونه {لَوْ شَآءَ الله} أن لا نشرك {مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} ولكن شاء فهذا عذرنا، يعنون أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما أحل الله لهم بمشيئته ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك {كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي كتكذيبهم إياك. كان تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود لا الإقرار بالمشيئة، أو معنى المشيئة هنا الرضا كما قال الحسن: أي رضي الله منا ومن آبائنا الشرك والشرك مراد لكنه غير مرضي، ألا ترى أنه قال: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أخبر أنه لو شاء منهم الهدى لآمن كلهم ولكن لم يشأ من الكل الإيمان بل شاء من البعض الإيمان ومن البعض الكفر، فيجب حمل المشيئة هنا على ما ذكرناه دفعاً للتناقض {حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} حتى أنزلنا عليهم العذاب {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} فتظهروه {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} تكذبون {قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة} عليكم بأوامره ونواهيه ولا حجة لكم على الله بمشيئته {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أي فلو شاء هدايتكم وبه تبطل صولة المعتزلة {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ} هاتوا شهداءكم وقربوهم، ويستوي في هذه الكلمة الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وبنو تميم تؤنث وتجمع {الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا} أي ما زعموه محرماً {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم فكان واحداً منهم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا} من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات الله فهو متبع للهوى إذ لو تبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله {والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} هم المشركون {وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} يسوون الأصنام.
{قُلْ} للذين حرموا الحرث والأنعام {تَعَالَوْاْ} هو من الخاص الذي صار عاماً وأصله أن يقول: من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر حتى عم {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} الذي حرمه ربكم {عَلَيْكُمْ} من صلة حرم {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} {أن} مفسرة لفعل التلاوة و{لا} للنهي {وبالوالدين إِحْسَانًا} وأحسنوا بالوالدين إحساناً. ولما كان إيجاب الإحسان تحريماً لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر {وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مِّنْ إملاق} من أجل فقر ومن خشيته كقوله: {خَشْيَةَ إملاق} [الإسراء: 31] {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لأن رزق العبيد على مولاهم {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ما بينك وبين الخلق {وَمَا بَطَنَ} ما بينك وبين الله، ما ظهر بدل من الفواحش {وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق} كالقصاص والقتل على الردة والرجم {ذلكم وصاكم بِهِ} أي المذكور مفصلاً أمركم ربكم بحفظه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لتعقلوا عظمها عند الله {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ} إلا بالخصلة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره {حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أشده مبلغ حلمه فادفعوه إليه وواحده شد كفلس وأفلس {وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط} بالسوية والعدل {لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلا ما يسعها ولا تعجز عنه، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما فيه حرج فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه {وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا} فاصدقوا {وَلَوْ كَانَ ذَا قربى} ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل كقوله {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين} [النساء: 135] {وَبِعَهْدِ الله} يوم الميثاق أو في الأمر والنهي والوعد والوعيد والنذر واليمين {أَوْفُواْ ذلكم} أي ما مر {وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بالتخفيف حيث كان: حمزة وعلي وحفص على حذف إحدى التاءين. غيرهم بالتشديد أصله {تتذكرون} فأدغم التاء الثانية في الذال أي أمركم به لتتعظوا.
{وَأَنَّ هذا صراطي} ولأن هذا صراطي فهو علة الاتباع بتقدير اللام، {وَأَنْ} بالتخفيف شامي، وأصله وأنه على أن الهاء ضمير الشأن والحديث. {وَإنْ} على الابتداء: حمزة وعلي {مُّسْتَقِيماً} حال {فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل} الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} فتفرقكم أيادي سبأ عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطاً مستوياً ثم قال: «هذا سبيل الرشد وصراط الله فاتبعوه» ثم خط على كل جانب ستة خطوط ممالة ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها» وتلا هذه الآية. ثم يصير كل واحد من الاثني عشر طريقاً ستة طرق فتكون اثنين وسبعين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب. وعن كعب: إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة {ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لتكونوا على رجاء إصابة التقوى.
ذكر أولاً {تَعْقِلُونَ} ثم {تَذَكَّرُونَ} ثم {تَتَّقُونَ} لأنهم إذا عقلوا تفكروا ثم تذكروا أي اتعظوا فاتقوا المحارم {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَامًا} أي ثم أخبركم إنا آتينا أو هو عطف على {قُلْ} أي ثم قل آتينا، و{ثم} مع الجملة تأتي بمعنى الواو كقوله {ثُمَّ الله شَهِيدٌ} [يونس: 46] {عَلَى الذي أَحْسَنَ} على من كان محسناً صالحاً يريد جنس المحسنين دليله قراءة عبد الله {عَلَى الذين أَحْسَنُواْ} أو أراد به موسى عليه السلام أي تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ في كل ما أمر به {وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَيْءٍ} وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاجون إليه في دينهم {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم} أي بني إسرائيل {بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ} يصدقون أي بالبعث والحساب وبالرؤية.
{وهذا} أي القرآن {كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ} كثير الخير {فاتبعوه واتقوا} مخالفته {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لترحموا {أَن تَقُولُواْ} كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا {إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} أي أهل التوراة وأهل الإنجيل، وهذا دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ} عن تلاوة كتبهم {لغافلين} لا علم لنا بشيء من ذلك {إن} مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والأصل: وإنه كنا عن دراستهم غافلين على أن الهاء ضمير الشأن، والخطاب لأهل مكة والمراد إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما {أَوْ تَقُولُواْ} كراهة أن تقولوا {لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ} لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا وغزارة حفظنا لأيام العرب {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبِّكُمْ} أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم فقد جاءكم ما فيه البيان الساطع والبرهان القاطع، فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله} بعدما عرف صحتها وصدقها {وَصَدَفَ عَنْهَا} أعرض {سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنَا سُوءَ العذاب} وهو النهاية في النكاية {بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} بإعراضهم.

.تفسير الآيات (158- 165):

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)}
{هَلْ يَنظُرُونَ} أي أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما يعتقدون من الضلالة فما ينتظرون في ترك الضلالة بعدها {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة} أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم {يَأْتِيهِمُ} حمزة وعلي {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} أي أمر ربك وهو العذاب أو القيامة، وهذا لأن الإتيان متشابه وإتيان أمره منصوص عليه محكم فيرد إليه {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايات رَبِّكَ} أي أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءايات رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} لأنه ليس بإيمان اختياري بل هو إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم {لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} صفة {نَفْساً} {أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا} أي إخلاصاً كما لا يقبل إيمان الكافر بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل إخلاص المنافق أيضاً أو توبته وتقديره: لا ينفع إيمان من لم يؤمن ولا توبة من لم يتب قبل {قُلِ انتظروا} إحدى الآيات الثلاث {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} بكم إحداها.
{إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} اختلفوا فيه وساروا فرقاً كما اختلفت اليهود والنصارى وفي الحديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية وإلا واحدة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي السواد الأعظم» وفي رواية: «وهي ما أنا عليه وأصحابي» وقيل: فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. {فارقوا دِينَهُمُ} حمزة وعلي أي تركوا {وَكَانُواْ شِيَعاً} فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم أو من عقابهم {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} فيجازيهم على ذلك {مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تقديره عشر حسنات أمثالها إلا أنه أقيم صفة الجنس المميزة مقام الموصوف {وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص الثواب وزيادة العقاب {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبّي} {رَبّي} أبو عمرو ومدني {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ دِينًا} نصب على البدل من محل {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} لأن معناه هداني صراطاً بدليل قوله {وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 20] (قِيِّماً) {قيما} فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم {قَيِّماً} كوفي وشامي وهو مصدر بمعنى القيام وصف به {مِلَّةِ إبراهيم} عطف بيان {حَنِيفاً} حال من {إِبْرَاهِيمَ} {وَمَا كَانَ مِنَ المشركين} بالله يا معشر قريش.
{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} أي عبادتي، والناسك العابد أو ذبحي أو حجي {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} وما أتيته في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل {للَّهِ رَبِّ العالمين} خالصة لوجهه.
{وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} بسكون الياء الأول وفتح الثاني: مدني. وبعكسه غيره {لاَ شَرِيكَ لَهُ} في شيء من ذلك {وبذلك} الإخلاص {أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين} لأن إسلام كل نبيٍ متقدم على إسلام أمته.
{قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً} جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. والهمزة للإنكار أي منكر أن أطلب رباً غيره، وتقديم المفعول للإشعار بأنه أهم {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} وكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} جواب عن قولهم {اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم} [العنكبوت: 12] {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} أي لا تأخذ نفس آثمة بذنب نفس أخرى {ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من الأديان التي فرقتموها {وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض} لأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فأمته قد خلفت سائر الأمم، أو لأن بعضهم يخلف بعضاً أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الشرف والرزق وغير ذلك {درجات} مفعول ثانٍ، أو التقدير إلى درجات، أو هي واقعة موضع المصدر كأنه قيل رفعة بعد رفعة {لّيَبْلُوَكُمْ في ما آتاكم} فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال كيف تشكرون تلك النعمة وكيف يصنع الشريف بالوضيع والغني بالفقير والمالك بالمملوك {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب} لمن كفر {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن قام بشكرها، ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آتٍ قريب {وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ثلاث آيات من أول الأنعام حين يصبح وكل الله تعالى به سبعين ألف ملك يحفظونه وكتب له مثل أعمالهم إلى يوم القيامة».

.سورة الأعراف:

.تفسير الآيات (1- 9):

{المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)}
{المص} قال الزجاج: المختار في تفسيره ما قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا الله أعلم وأفصل {كِتَابٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب {أُنزِلَ إِلَيْكَ} صفته والمراد بالكتاب السورة {فَلاَ يَكُن في صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ} شك فيه، وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه أي لا شك في أنه منزل من الله أو حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم، والنهي متوجه إلى الحرج وفيه من المبالغة ما فيه، والفاء للعطف أي هذا الكتاب أنزلناه إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك. واللام في {لِتُنذِرَ بِهِ} متعلق ب {أُنزِلَ} أي أنزل إليك لإنذارك به، أو بالنهي ولأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذا إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه {وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} في محل النصب بإضمار فعلها أي لتنذر به وتذكر تذكيراً، فالذكرى اسم بمعنى التذكير، أو الرفع بالعطف على {كِتَابٌ} أي هو كتاب وذكرى للمؤمنين، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف، أو الجر بالعطف على محل {لّتُنذِرَ} أي للإنذار وللذكرى {اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ} أي القرآن والسنة {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ} من دون الله {أَوْلِيَاء} أي ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره و{قَلِيلاً} نصب ب {تَذَكَّرُونَ} أي تذكرون تذكراً قليلاً. و{ما} مزيدة لتوكيد القلة {تَتَذَكَّرُونَ} شامي.
{وَكَمْ} مبتدأ {مِن قَرْيَةٍ} تبيين والخبر {أهلكناها} أي أردنا إهلاكها كقوله {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة} [المائدة: 6] {فَجَاءهَا} جاء أهلها {بَأْسَنَا} عذابنا {بَيَاتًا} مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين، يقال بات بياتاً حسناً {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} حال معطوفة على {بَيَاتًا} كأنه قيل: فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين. وإنما قيل {هُمْ قَائِلُونَ} بلا {واو} ولا يقال: (جاءني زيد هو فارس) بغير واو، لأنه لما عطف على حال قبلها حذفت الواو استثقالاً لاجتماع حرفي عطف، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل. وخص هذان الوقتان لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وقوم لوط عليه السلام أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شعيب عليه السلام وقت القيلولة. وقيل {بَيَاتًا} ليلاً أي ليلاً وهم نائمون أو نهاراً وهم قائلون {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} دعاؤهم وتضرعهم {إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا} لما جاءهم أوائل العذاب {إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين} اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك.
و{دَعْوَاهُمْ} اسم {كان} و{أَن قَالُواْ} الخبر ويجوز العكس {فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أرسل مسند إلى إليهم أي فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم {وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين} عما أجيبوا به {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم} على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم {بِعِلْمِ} عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} عنهم وعما وجد منهم ومعنى السؤال التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم {والوزن} أي وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها وهو مبتدأ وخبره {يَوْمَئِذٍ} أي يوم يسأل الله الأمم ورسلهم فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين {الحق} أي العدل صفته ثم قيل توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان إظهاراً للنصفة وقطعاً للمعذرة. وقيل: هو عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، والله أعلم بكيفيته {فَمَن ثَقُلَتْ موازينه} جمع ميزان أو موزون أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات أو ما توزن به حسناتهم {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون} الفائزون {وَمَنْ خَفَّتْ موازينه} هم الكفار فإنه لا إيمان لهم ليعتبر معه عمل فلا يكون في ميزانهم خير فتخف موازينهم {فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ} يجحدون فالآيات الحجج والظلم بها وضعها في غير موضعها أي جحودها وترك الانقياد لها.